ابن الجوزي
39
لقط المنافع في علم الطب
ثم تدبير المشايخ ، ثم تدبير الأزمنة ، وتدبير المسافرين . . . وهكذا في نسق ونسيج بديع ، فضلا عن شمولية هذا العرض والأسلوب الجميل . ومن الموضوعات المهمة التي طرقها المؤلف ونحن بحاجة إليها ماسة في عصرنا الراهن ما عقده من ذكر الحاجة إلى تركيب الأدوية وكيفية استعمالها ، فهو يذكر الدواء ومكوناته وتركيبه وفوائده وخواصه ، وكل ذلك مرتبط بالصيدلة وصناعة الدواء الآمن وما إلى ذلك . تكمن قيمة هذا الكتاب كذلك في مقاصد المؤلف من تأليفه ، فنجد هذه المقاصد عالية وشريفة ، وفي ذلك ما فيه من الفوائد المنهجية والتربوية للتأليف ، فينبغي أن تكون للتأليف مقاصد سامية وغايات عالية حتى يستفاد من ذلك ، فإذا انعدم الإخلاص فالأعمال تعب ضائع . يقول المؤلف مبينا هذه المقاصد ومنهجيته : « لمّا رأيت علم الطب علما صحيحا قد نبّه عليه القرآن العزيز والنقل الصحيح ، وشهد بصحته العقل ؛ أحببت أن أجمع فيه كتابا ينبّه على أصوله ، ويحتوي على جمل من علومه ، وأذكر ما نقل من هذا العلم عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ومن بعده من علماء الإسلام ، وأعتمد فيما أذكره من أقوال المتطببين على ما عوّل عليه ماهروهم في هذه الصناعة . . . » « 1 » . وتميز هذا العمل كذلك بأنه لأحد علماء الإسلام الكبار الذين ألفوا في التخصصات الإسلامية الدقيقة وبرعوا فيها حتى إن بعض الباحثين المعاصرين أفرد لآرائه الكلامية الأخلاقية دراسة مستقلة وعلل ذلك بقوله : اخترنا العلّامة أبا الفرج ؛ لأنه أدل على زمانه من سواه ، وشهرته في بغداد لم يظفر بها عالم خلاه ، وأبحاثه التي تحققت نسبتها إليه مادة غزيرة عالج خلالها سائر قضايا عصره . . . وأجمع الكل على أنه في أدلته وحججه قائم على
--> ( 1 ) مقدمة المؤلف : 59 - 60 .